الخميس، 1 مارس 2012

المسيح المعلم

لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب "يا معلّم"، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه. هل مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة؟ لماذا كان تعليم المسيح له جاذبية دائمة؟ كيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته؟
للإجابة على هذه الأسئلة عرض الباحث الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح، يتناول هذا الأمر فى العناصر التالية:

القسم الأول: 1 ـ المسيح المعلّم فى الأناجيل.

2 ـ التربية فى عصر المسيح.

3 ـ محتوى التنشئة التربوية فى المجتمع العبرى.

القسم الثانى: 1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح.

2 ـ ملامح تعليم المسيح.

3 ـ الحرية والمسئولية فى تعليم المسيح.

ثم خُتِم البحث بعنصر هام فى تعليم المسيح وهو :

البُعد الاجتماعى فى تعليم المسيح التربوى.

         



يُلقب المسيح فى الأناجيل بلقب "معلّم Διδάσκαλος". ويُلاحظ أن هذا اللقب أُطلق على المسيح أكثر من أى لقب آخر. لكن بينما يوجد استخدام دائم للقب "معلّم"، إلاّ أن لقب "الرب κύριος طغى، بسبب النبوات عن مجئ الماسيا، فى كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد(2) . ونرى فى مخطوطات وادى قمران التى تشير إلى نُساك كانوا يعيشون ربما فى عصر المسيح، أنه كان يوجد انتظار وشوق لمعلّم البر، هذا الذى سوف يعلّم الناموس بالحق، وسوف يفسر الكتاب باستقامة. هذه الصورة كانت مسيطرة فى فكر الشعب وكان هناك شوق لتحقيقها.

لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب "يا معلم Διδάσκαλε"، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه.

إن تعليم المسيح امتد عبر الأزمنة واحتفظ حتى اليوم ببريقه وجاذبيته. وبالرغم من التقدم التكنولوجى المذهل والتطور العلمى الهائل الذى يهدف إلى جعل الإنسان قادرًا على إيجاد حلولاً لمشاكله اليومية، إلاّ أن الواقع يعلن لنا العكس. فالإنسان يوميًا ينقاد إلى أزمات أعمق نراها على كل المستويات المعيشية ونسمعها من خلال صرخات القلق التى تنتاب الإنسان المعاصر الذى كاد يغرق وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة. إنه دعوة مستمرة: " تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم" (مت28:11)، " الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة" (يو63:6).

لكن ما الذى أعطى لتعليم المسيح هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته فى كل العصور؟ للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنفسنا فى احتياج لمعرفة الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح. سوف نتناول هذا الأمر فى العناصر التالية:

القسم الأول:

1 ـ المسيح المُعلّم: فى الأناجيل

2 ـ التربية فى عصر المسيح

3 ـ محتوى التنشئة التربوية فى المجتمع العبرى

القسم الثانى:

1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح.

2 ـ ملامح تعليم المسيح.

3 ـ الحرية والمسئولية فى تعليم المسيح:

أ ـ الخوف والحرية ب ـ الحرية كشهادة حياة ج ـ المسئولية كتعبير لإدراك الحرية.





القسم الأول

1 ـ المسيح المعلّم في الأناجيل:

أ ـ المسيح المعلّم فى الإنجيل بحسب القديس مرقس :

لقد ركز القديس مرقس اهتمامه على شخص المسيح وعمله مظهرًا الطريقة التي علّم بها وعمل(3) . وقدَّم لنا المسيح الرب والمعلّم الجديد المختلف جوهريًا عن معلّمى عصره. إن كلمة "تعليم" "didac»" ذُكِرت فى بشارته أربع مرات، وفعل "أُعلّم" did£skw ذُكر سبعة عشر مرة. أما كلمة "معلم" rabb… فقد ذُكرت إحدى عشر مرة:

1 ـ مرة واحدة من معارضيه (مر14:12)

2 ـ خمس مرات من التلاميذ (مر38:4، 38:9، 35:10، 1:13، 14:14)

3 ـ مرتين من المرضى (35:5، 17:9)

4 ـ ثلاث مرات من الذين طلبوا منه تفسير الناموس (17:10، 20، 32:12)

لقد لجأ المعلمون اليهود في عصره إلى التقليد لإقناع الناس بتعاليمهم، وكانوا يقتبسون اقتباسات كثيرة من سابقيهم. وكان المبدأ الثابت للمعلم اليهودى هو: " لن أقول شيئًا لم أسمعه من الذين علمونى". كان يميلون دائمًا للتوسع في المناقشات. لكن المسيح علّم بسلطان ولم يستند إلى تعاليم معلّمين سابقين ليستمد منها بمصداقية ما يعلّم به، لكن استند على شخصه وسلوكه وحياته. لذا نجد أن هناك علاقة مباشرة بين شخصه وأقواله وأعماله. لقد كان تعليم المسيح يمس الحياة ولم يكن عملاً مجردًا. لذا نجد في تعليمه أمورًا تتعلق بالحياة مثل غفران الخطايا، شفاء الأبرص، شفاء المقعد. إن هدف عمله التعليمى كان تحرير البشر، لذلك نجد أن الناس من كل الطبقات والفئات يخاطبونه يا "معلّم" مثلما فعل الشاب الغنى (مر17:1)، ومجنون قرية الجرجسيين (مت28:8) والفريسيون والهيرودسيون (مر14:12)، كما أن التلاميذ كانوا يخاطبونه يا "معلّم" أثناء هيجان البحر قائلين: " يا معلّم ألاّ يهمك أننا نغرق" (مر39:4).

وهكذا كان هناك يقين لدى الناس أنه "معلّم". لقد علّم المسيح في المجامع وفي أماكن خالية (صحراء) وفي الهيكل (مر49:14). لقد أوصى تلاميذه أن يبلغوا رسالة إلى رب البيت الذي سيتمم فيه العشاء العظيم مستخدمين لقب "معلّم" كلقب معروف: " فقولا لرب البيت إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذى" (مر14:14).

بالتالى فإن ظهور المسيح "كمعلّم" يكشف تدريجيًا سر شخصه الإلهى، وأن رسالته توجهت إلى أماكن مختلفة، وأيضًا فى مناسبات الحياة المتنوعة مثل الاحتفالات العرسية وموائد الأغنياء والفقراء. كما أن الناس كانوا يُبدون استعدادًا ورغبة في سماع أقواله.

لقد رأى القديس مرقس البشير، المسيح كمعلّم يهتم بمشاكل مجتمعه. وكتب إنجيله لكى يساهم في إصلاح وتقويم المجتمع الذي كان يعانى من مشاكل عديدة؛ مثل مشكلة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، أو سعي البعض نحو الزعامة لإرضاء ذواتهم. وقدم مرقس، المسيح المعلّم الذي اخبرنا عن الله: " فنظر إليهم يسوع وقال. عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله لأن كل شئ مستطاع عند الله" (مر27:10).

حقًا علّم المسيح بسلطان فائق لا تستند على تفسيرات الناموسيين السابقين. لم يستشهد بأى كتاب أو مصدر لكى يعطى قوة ومصداقية لكرازته، فيما عدا العهد القديم الذي استخدمه كإشارة نبوية لعمله الخلاصى.

حرص القديس مرقس أن يقدم تعليم المسيح فى ثلاثة أشكال مميزة تبرهن على أن المسيح كان حريصًا على تقديم تعليمه إلى الجموع بطريقة جذابة وليست مملة. وهذه الأشكال أو الملامح هى:

1 ـ الملمح النقدى لتعليمه، وقد استخدمه مع الفريسيين والكتبة.

2 ـ الأمثال: عندما يتوجه إلى الجموع.

3 ـ تحليل وتفسير الأمثال: عندما ينفرد بتلاميذه (مر34:4).



ب ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس متى

يصف القديس متى البشير العمل الماسيانى للمسيح بإعلانات ثلاث(مت23:4، 35:9، 1:11)، والتي فيها يقر بأن المسيح "يعلّم"، و "يكرز" و "يشفى". وفي الثلاث حالات نلاحظ عنصرين:

1 ـ رصد متتابع لأنشطة المسيح.

2 ـ المسيح هو معلم إسرائيل الذي يفسر طريق الله وفق ناموس الله المُعلن.

دائمًا نجد في إنجيل متى التعليم عن المسيح (الخريستولوجية) في إطار القيامة، لذا عندما يتوجه التلاميذ إلى المسيح بالنداء لا يستخدمون لقب "يا معلّم" لكن لقب: "أيها الرب kÚrie". وكلمة "kÚrioj" اُستخدمت 61 مرة في إنجيل متى(قارن مر38:4، لو24:8، مت25:8). لكن متى البشير يذكر لقب معلّم "did£skaloj" أو "rabb…" باللغة العبرية على لسان الذين لا يتبعون المسيح بانتظام، أو الذين لا يعرفونه معرفة صحيحة (على سبيل المثال: يهوذا يستخدم لقب "rabb…" في (مت25:26، 49، انظر أيضًا 11:9، 38:12، 16:19، 24:22).

يتميز متى عن الإنجيليين الآخرين في أنه يتناول "تعليم" المسيح بطريقة منظمة إذ وضع هذه التعاليم فى ثلاثة أحاديث:

1 ـ تعليمه في الموعظة على الجبل حيث نجد وصفًا لنموذج، أو مثالاً للإنسان المنتمى لملكوت الله (متى من إصحاح 5 إلى 7).

2 ـ تعليمه في إرشاداته للرسل بخصوص الكرازة الإنجيلية (مت10).

3 ـ تعليمه في حديث عن مجئ ملكوت الله والدينونة (مت23 إلى 25).

بحسب إنجيل متى يوجد معلّم واحد فقط له سيادة حقيقية، إنه المسيا المنتظر (مت8:23). الذى أرسل الرسل لكى يعلّموا كل الأمم بكلمة الإنجيل.

يُنهى متى إنجيله بإرسالية "تعليمية" عظيمة، علينا أن ندرسها بتدقيق لكى نفهم كل الإنجيل: " فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفِع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت18:28ـ20). والتلمذة ـ في هذه الأرسالية التعليمية ـ تعنى الخضوع إلى تعليم الكلمة المتجسد، القادر وحده أن يحمي التلاميذ من الأنبياء الكذبة والذئاب الخاطفة حتى يثمر عملهم ويقدمون الثمار التي يريدها الله (مت12:7 وما بعده).

المسيح ـ بحسب القديس متى الإنجيلى ـ هو مفسر الناموس ومعلن إرادة الله للبشر، وسوف يكون له دورًا حاسمًا في أثناء مجيئه في يوم الدينونة وفق المعيار الذي وضعه هو نفسه (مت25:24، 31:25)(4) .

لقد نظّم القديس متى الإنجيلى محتوى إنجيله في وحدات موضوعية وليس بحسب جدول زمنى. وهذا يساهم في الفهم الكامل لتعليم المسيح، خاصةً أنه يلفت نظر القارئ إلى الموضوع المحورى في هذه الوحدات، أى أن المسيح هو المسيا ـ معلّم إسرائيل الجديد، لأجل هذا لم يبتعد المسيح عن الكنيسة بل ظل حاضرًا وفاعلاً كمعلّم وقائد في حياة الكنيسة " ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت20:28).



ج ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس لوقا:

قدم لوقا المسيح كمعلّم متألم يتجاوب مع مشاكل واحتياجات الناس في عصره. ويستخدم لوقا بجانب لقب "معلّم" كلمة "ناظر أو مراقب" epist£thj، بينما القديس مرقس ـ كما سبق أن أشرنا ـ استخدم كلمة "رابىrabb…"، والقديس متى كلمة "رب أو سيد kÚrioj".

لقد أراد القديس لوقا الإنجيلى أن يشدد على عمل المسيح كمدبر ومعتنى بالعالم، لذا استخدم كلمة "مراقب أو ناظر" لتعلن أنه مسئول عن عملية "تعليمية"، وهذا يُفهم في إطار المجتمع اليونانى. ولأن القديس لوقا كتب إنجيله لجماعات مسيحية من الأمم، فإنه لم يستخدم لقب "رب ραββί" المألوف بالنسبة لليهود والغريب بالنسبة للأمم.

كتب القديس لوقا الإنجيل وسفر أعمال الرسل مقدمًا المسيح بطريقة مُميزة عن بقية الإنجيليين، خاصةً في "أعمال الرسل". فقد أظهر كيف أن الروح القدس نقل رسالة الخلاص إلى أقاصى الأرض وأن المسيح كان يعلّم بواسطة أنبيائه (أع27:11ـ28، 1:13، 1بط 10:1ـ11).

فبينما يقدم القديس متى الإنجيلى، المسيح كموسى العظيم مقسّمًا إنجيله إلى خمسة أحاديث تتماثل مع الخمس كتب الأولى للعهد القديم المكتوبين بواسطة موسى، نجد أن لوقا يقدم المسيح كإيليا الجديد. إنه النبى الحار بالروح القدس. الروح رافقه طوال مسيرته حتى الصعود كما حدث مع إيليا. لقد ذكر القديس لوقا أن المسيح أقام ابن أرملة نايين من الموت (لو11:7ـ17) ليذكِّرنا بإيليا الذى أقام ابن أرملة صرفة صيدا (1مل17 وانظر أيضًا لو26:4و27). أيضًا قدم القديس لوقا المسيح كمعلّم يقوم برحلة عظيمة من الجليل إلى أريحا وأورشليم (لو51:9ـ45:19). وبحسب القديس لوقا فإن أورشليم هى مركز جغرافى له مغزى خلاصى للعالم، إنها المكان الذي منه سوف يصعد المسيح إلى السموات، ومن هناك أيضًا أرسل يسوع تلاميذه ليحملوا رسالة الإنجيل إلى أقاصى المسكونة.

أعطت هذه الرحلة العظيمة للقديس لوقا مادة تعليمية متنوعة تمس الحياة اليومية، فيقدم لنا مثل السامرى الصالح (لو25:10ـ37)، والابن الضال (لو11:15ـ32)، ووكيل الظلم (1:16ـ13)، والفريسى والعشار (9:18ـ14). وأيضًا يركز القديس لوقا على إشارات المسيح لمواضيع خاصة مثل الصلاة (1:11ـ13)، والغنى (13:12ـ34)، والفقر (1:16ـ31)، والبُعد الأخروى للحياة (38:12ـ59)، والأربع أمثلة المرتبطة بالموائد والأكل (لو1:14ـ24)، وفي الأمثال الثلاثة عن التبعية الحقيقية للمسيح (لو25:14ـ35). ويعطى القديس لوقا اهتمامًا خاصًا بموضوع التلمذة الحقيقية، ويكتب لنا عن الشروط التي وضعها المسيح للتلمذة، وكيف أن المسيح استخدم خبرات الحياة اليومية لكى تُفهم هذه الشروط (لو25:14ـ35).

ونستطيع أن نلاحظ أن لوقا يُظهر يسوع وهو في الاثنى عشر ربيعًا يعلم في الهيكل (لو45:2ـ48)، ويقدم لنا بداية حياة المسيح الجهارية بالإشارة إلى أنه كان يعلّم في المجامع (لو14:4ـ15). ويقدم لوقا في أعمال الرسل تلخيصًا لإنجيله مشيرًا بدقة إلى كل ما علّمه المسيح وفعله (أع1:1، لو5:23).

ومن الجدير بالملاحظة أن القديس لوقا بعد العدد الثالث من الإصحاح السابع يستخدم لقب الرب kÚrioj ثمانية عشر مرة عندما يشير إلى المسيح. هذا اللقب نادرًا ما يُستخدم قبل قيامة المسيح، لكن من المرجح أن جماعة القديس لوقا كانت تستخدم هذا اللقب عندما كتب إليها إنجيله. نجد أيضًا في إنجيل القديس لوقا أنه يسرد روايات متوازية تخص رجل وامرأة معًا لكى يؤكد على وجودهما معًا وأنهم متساويان أمام الله بالنعم والعطايا والواجبات. فعلى سبيل المثال: زكريا وإليصابات (5:1)، سمعان وحنة (25:2ـ28)، أرملة صيدا ونعمان السريانى (25:4ـ28)، شفاء الممسوس وحماة بطرس(31:4ـ39)، سمعان الفريسى والمرأة الخاطئة (36:7ـ50)، الإنسان وحبة الخردل وخميرة المرأة(لو18:3ـ21)، السامرى الصالح ومريم ومرثا (29:10ـ42)، الإنسان والمائة خروف والمرأة والعشرة دراهم (لو4:15،30) القاضى الظالم والأرملة (لو1:18ـ14)، النساء عند القبر وتلميذى عمواس (لو55:23،1:24ـ11، 13:24ـ32).



د ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس يوحنا الإنجيلى:

يتناول القديس يوحنا الإنجيلى تعاليم المسيح بطريقة مميزة، فبحسب البشير يوحنا، عصر المسيح هو الذي سبق وتنبأ عنه إشعياء، حيث الكل يعمل مع الله ويقبل كلمته: " إنه مكتوب في الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله. فكل مَن سمع من الآب وتعلم يقبل إلىّ" (يو45:6).

يقدم القديس يوحنا، المسيح بعد قيامته مثلما فعل القديس متى، فهو يتوجه إلى الجماعة المسيحية، وليس إلى الذين يريدون أن يتعرفوا على تعليمه.

إن القديس يوحنا الإنجيلى هو تلميذ المخلّص، المتأمل والعميق في نظرته للحوادث الكثيرة التي فعلها المسيح، وأيضًا يرى ويميز في تقليد وتعاليم إسرائيل الإشارات التي تخص المسيح. لقد ركز يوحنا على أهمية وحتمية مجئ الباراقليط وعمله في الكنيسة، فالروح القدس هو الذي يحفظ رسالة وأقوال المسيح، وهو نفسه الذي ينير الفهم الحقيقى لتعليم المسيح، فهو يعلم ويرشد أعضاء الكنيسة " إلى كل الحق " (يو26:14).

لكن المطلب الذي يريده يوحنا هو أن يتعرف الإنسان على ضعفه ويعترف بنقائصه (يو35:9ـ39)، حتى يتم شفاؤه ويأتى إلى المعلم الوحيد الذي لديه أقوال الحياة الأبدية (يو69:6)، هذا هو الذي يقدم الحياة (يو40:5) وعلى الإنسان أن يحيا مثلما عاش المسيح بالمحبة وعلّم عنها.



لقد حفظ لنا القديس يوحنا تعليم المسيح المؤثر الذي حدد فيه ملامح ممارسة العمل الإنجيلى للرسل: " أنتم تدعوننى معلّمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلّم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه" (يو13:13ـ17).

يذكر القديس يوحنا (في الاصحاح الأول) دعوة التلاميذ وأيضًا ألقاب المسيح الخاصة بـ: الكلمة، المسيا، ابن الله، ابن الإنسان، مخلّص العالم، الرب، الله. وفي (11:2) يعلن المسيح مجده، والتلاميذ يؤمنون به. بينما يوحنا يستطرد فى إنجيله بطريقته الفريدة، إذ يتعرف الدارسون في إنجيله على شهادة تاريخية لحياة وعمل المسيح. نتحقق في النصف الأول من إنجيل القديس يوحنا (1ـ12) على أن التلاميذ يستخدمون دائمًا مصطلحات مثل معلم "رابى" rabb… بالعبرية وباليونانية did£skalojفي الاشارة إلى المسيح، بالرغم من أهمية استخدام مصطلح "رب" kÚrioj. استخدم القديس يوحنا كلمة معلّم بالعبرية "رابى" ثماني مرات. وهذا اللقب كان يُنسب إلى المسيح تقديرًا من التلاميذ لدوره التعليمى (يو13:13)، لذا أخذ اليهود موقف عدائى ضد المسيح. وعندما كان يستخدم القديس يوحنا كلمة "عالم" kÒsmoj فهو يقصد البشر على وجه الخصوص، لكى يظهر العداء الذى كان بين العالم والمسيح. لذلك في مقدمة إنجيله عن الكلمة المتجسد، يقول " كان في العالم والعالم لم يعرفه" (يو10:1). لكن الله أحب العالم حبًا لا نهائي " حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3)، فالله أرسل ابنه إلى العالم (17:3، 36:10، 18:17) كمخلّص له (42:4، 1يو14:4). لكن "العالم" أخذ موقفًا عدائيًا تجاهه، حتى أنه وصل إلى مستوى كان يحقد فيه على المسيح وتلاميذه (يو8:15). فالعالم يوجد في الظلمة ولم يقبل نور حياة وتعليم المسيح، وهذا لأنه تحت سلطان " رئيس هذا العالم" (يو3:12، 30:4، 11:16) فالعالم "وضع في الشرير" (1يو 19:5). العالم لم يدرك أن المسيح هو " نور العالم" (يو12:8). لكن هو الذى انتصر على الظلمة، لذلك مَن يؤمن به ينتصر على قساوة وعداوة العالم، يكفى أنه لا يحب العالم (1يو 15:2)، لأن العالم يمضى وشهوته (1يو17:2).

يركز البشير يوحنا في إنجيله على نتائج ابتعاد الإنسان عن الله، أيضًا يبرز التضاد بين النور والظلمة، الحق والكذب، الموت والحياة. وهذا التضاد أو الثنائية تنطلق ـ في إنجيله ـ من التعليم عن المسيح (الخريستولوجية). فالمسيح هو نور العالم (يو12:8) حيث " النور يضىء في الظلمة" لكن " الظلمة لم تدركه" (يو5:1). " لتصيروا أبناء النور.." (يو36:12). الاستجابة لهذه الدعوة لن تكون فقط بالمعرفة العقلية لكن بالإيمان. فالعقل بمفرده لن يستطيع أن يخرج الإنسان من الظلمة لأنه قد يكون هو نفسه مظلم، لكن الإيمان هو الذي يخرج هذا الإنسان من الظلمة إلى النور. فالإيمان يجعلنا نصير أبناء النور، والنور ضرورى لحياة الإنسان، لأن " مَن يمشى في الليل يعثر لأن النور ليس فيه" (يو35:12). المعرفة ليست معرفة ذهنية مجردة، لكن حياة مؤسسة على الشركة " وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو3:17). والمعيار الواضح لهذه المعرفة هو المحبة: " الذي يحبنى يحفظ وصاياى" (يو15:14). وكل الوصايا تتلخص في وصية واحدة: " هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم" (يو12:15).

بتأنس الكلمة، قدم الله للإنسان "النعمة والحق" (يو14:1). عمل المسيح ـ بحسب اعلانه ـ هو شهادة الحق (يو37:18).

كان هناك تصادم بين جماعة القديس يوحنا الإنجيلى والمجمع اليهودى، وهذا الوضع توجد جذوره في الصراع الذي كان بين المسيح وخصومه من اليهود. ولا يشكك القديس يوحنا في الناموس، لكن يركز على أن اعلان المسيح يتخطى الناموس، وفهم الناموس مرهون بإيمان المرء بالمسيح أو بعدم إيمانه. ويشدد القديس يوحنا على حضور المسيح الفعّال ولا يكتفى بالإشارة إلى أحاديثه.

لا يذكر إنجيل القديس يوحنا مثل الأناجيل الثلاثة الأولى، تعليم المسيح فيما يخص أمورًا متنوعة فى الحياة اليومية، لهذا لا نجد فى رواية إنجيل يوحنا تعاليم وردود المسيح على تساؤلات الناس بخصوص ملكوت السموات. لقد وصف يوحنا المسيح كمعلّم بطريقة سريعة موجزة (يو14:7، يو20:18) لكن ليس كالإنجيليين الباقين (مثلاً متى 29:7، 16:22). لقد وصف مدى دقة تعليم المسيح ومدى تأثير سامعيه حين قال: " فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم " (يو15:7).

يتحقق المرء في إنجيل القديس يوحنا من حضور الباراقليط الذي هو بالحرى المعلّم. وهدفه التعليمى هو أن يُذَّكر المسيحيين بالمسيح وبتعليمه: " وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو25:14).

هكذا نستطيع أن نرى بوضوح:

1ـ أن الكلمة المتجسد بواسطة كلمته يهدف إلى تفعيل قدرات الإنسان النفسية والجسدية(5) .

2ـ تعليم المسيح يمثل الأساس والوسيلة التي بها يتجه الإنسان الساقط إلى قرار بشأن تغييره الكيانى.

في هذا الإطار يكتسب عمل المسيح التعليمى والتربوى أهمية عظيمة لأن هذا العمل يمثل دافعًا لكل باحث تربوى ليفتش على العناصر التي تساهم في مثل هذا التغيير الجذرى للمواقف والسلوكيات، الأمر الذي يهدف إليه علم النفس التربوى الحديث بأشكال متنوعة.

بالتأكيد إن الأناجيل الأربعة لم تخطط مسبقًا لتقديم المسيح كمعلّم بتحليل ووصف لقدراته ومهاراته التعليمية. لكن قدمت شهادتها لحياة وعمل المسيح بوعى وإدراك التلاميذ. فعلاقتهم كانت علاقات اختبارية بين المعلم والتلاميذ.

إن تناول عمل المسيح التعليمى لا يمكن أن يصير خارج المعطيات التاريخية والاجتماعية للعصر الذي كتب فيه الإنجيليون، طالما أن عمل الخلاص يخص الإنسان الذى يعيش فى التاريخ. على الجانب الآخر لا يمكن أن نأتى إلى البُعد الأخروى للتعليم إن لم نقبل وجود واقع تاريخى كبداية لهذا البعد الأخروى.

2 ـ التربية في عصر المسيح:

إن الشرط الأساسى لفهم أى عمل تعليمى تربوى هو دراسة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأيضًا الثقافية للمجتمع الذي في إطاره قُدم هذا العمل.

لقد شكلّت البنية الثيوقراطية للمجتمع اليهودى قوانينه ومبادئه وأُسسه، ومن بينها بالطبع التربية. ومن المعروف أن تاريخ شعب إسرائيل هو بمثابة تسجيل لعلاقاته مع الله. بالتالى طالما أن الله كان المحور المركزى في حياة المجتمع العبرى، فإن التربية أخذت الملمح الإلهى qeokentrikÒ أى أن الله هو مركز كل شئ.

إذن ما هى بنية النظام التربوى العبرى في عصر المسيح؟ علينا قبل الاجابة على هذا السؤال أن نتعرف على الشكل العام للواقع التربوى العبرى لهذه الفترة.

كان المجمع اليهودى هو مكان التعليم الذي نمى واتسع في حقل العبادة الإلهية، والتي كانت تشمل الصلاة والتعليم الدينى خاصةً في السبوت والأعياد. الهدف الأساسى لاجتماع يوم السبت في المجمع لم يكن العبادة بالمفهوم الضيق لها بقدر قراءة الناموس وشرحه. لذلك يصف فيلون المجامع بالأماكن التعليمية التي يتلقى فيها اليهود حب الفضيلة(6) . وفي زمن كتابة العهد الجديد نجد أن التعليم هو العمل الأساسى للمجمع(7) . وكان التعليم في المجمع يوم السبت هو قانون محدد(8) . وفق أعمال الرسل 21:15 " لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة مَن يكرز به، إذ يُقرأ في المجامع كل سبت". لذلك فإن يوسابيوس المؤرخ وأيضًا فيلون اليهودى يرجعان قانون المجامع إلى موسى(9) .

لقد كان المجمع بمثابة نوع من التربية الدينية المفتوحة الشعبية حيث يذهب المرء بحرية لكى يجد إجابات على مشاكله، ويسمع أيضًا مقترحات ليواجه مآزق حياته اليومية(10) . وكانت هناك إمكانية للتدخل للمناقشة، وكان مسموح للتعبير عن أفكار عضو الجماعة وقناعاته المتعلقة بالمقاطع، التي كانت تُقرأ بهدف توضيح هذه النصوص للفائدة العامة. كان المجمع هو المكان الأول الذي علّم فيه المسيح وأيضًا الرسل، وكان أيضًا بالنسبة لهم هو المكان الذي تم فيه اعلانهم الموقف العدائى لرؤساء المجامع.

كان هناك تقليد بأن يجلس المعلّم في موضع عالٍ، لذا كان يفعل المسيح هكذا أثناء تعليمه (انظر مت1:5، لو20:4). ومثل الرابونيون هكذا فسر المسيح الناموس (انظر مر14:12، لو25:10)، بينما كانت هناك مداخلات وأسئلة مثلما كان يحدث مع المعلمين الآخرين (انظر مت36:22، لو25:10). وعلى هذه الأسئلة ينبغى أن يجيب. أيضًا وفق نظام الرابونيين ويوحنا المعمدان الذي دُعىّ معلّم rabb… فإن المسيح جمّع تلاميذ وعلّمهم (انظر لو12:3، مت14:9، يو25:3).

كان الكتبة يمثلون أرسطوقراطية (النخبة المثقفة) فكرية، وكانوا بالنسبة للشعب قادة ومعلمين. كانت توجد قوانين صارمة لتربية الكتبة في عصر المسيح. وكان المرشح لكى يكون معلمًا rabb… يتم إعداده من عمر 7 إلى 10 سنين. ويظل دائمًا في المرحلة الأولى لاستعداده بجانب أحد الكتبة كتلميذ يتتلمذ على يديه، يتابع تعليمه في هذه الفترة ويلاحظ ممارسته للبرنامج وطريقة الإمتثال لأوامر الناموس. وعندما يتحقق من أنه يملك المحتوى الأساسى للتقليد، وقادر على تطبيقه يُقلد في رتبته ويباشر واجباته(11) .



3 ـ محتوى التنشئة التربوية في المجتمع العبرى:

استنادًا على العهد القديم والتقليد العبرى نجد أن تربية الغلمان كانت تؤخذ بجدية في العائلة العبرية، وتبين مدى مكانة الرجل ودوره الرجولى في المجتمع العبرى. لقد أخذت عائلة المسيح بجدية هذا الاتجاه التربوى متممة مطالب الناموس (لو22:2). لذا علينا أن ندرك أن التربية كان لها مفهوم متسع يشتمل على خبرات من الميلاد حتى الموت في إطار العلاقة بين المجتمع والمجمع والهيكل. إن وحدانية كيان الإنسان النفسى والجسدى هى المبدأ أو الأساس لفهمنا كل الموضوعات التربوية في المجتمع العبرى. ونستطيع أن نستنتج هذا بوضوح من دراسة الصلاة اليومية العبرية Shema (انظر تث4:6ـ9، 13:11ـ21، عد73:15ـ41).

المبدأ الآخر والذي هو بمثابة الوصية الأولى في المجتمع العبرى الثيوقراطى هو المحبة. لذا فإن الأناجيل الثلاثة الأولى تقدم بدقة مطالب العهد القديم وإيمان إسرائيل (انظر مت36:22، مر28:12ـ34، لو25:10 وما بعده). فالوصية الأساسية لأبناء الملكوت هو أن يحبوا الله مطبقين إرادته (انظر مت21:7، 50:12). فيجب عليك أن تحب الله "من كل قلبك" أى بكل كيانك الداخلى وأيضًا انعكاس هذا الحب في مواقف وسلوكيات الإنسان اليومية. عكس النفاق والتملق وحفظ الإيمان الشكلى، وكذلك هذه العبارة تعنى الطاعة الكاملة. وفي الفكر العبرى فإن القلب هو عرش الأعمال الذهنية (انظر مت 34:12، مر21:7، 23:11، لو45:6، 14:2، يو40:12، أع23:7، 27:28، 23:11). وأيضًا مصدر القرارات (الإرادة) (أع23:11، 2كو7:9)، أيضًا "من كل قلبك" تعنى استعداد الإنسان لأن يقدم حياته ذبيحة (مت24:16).

"ومن كل فكرك" يعنى الولاء والإخلاص التام، مثلما كان يكرز المسيح بعد ذلك (فيما بعد) قائلاً: " لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين ... " (مت24:6).

التربية العبرية كانت تدفع الإنسان لأن يصنع علاقة مع يهوه، علاقة فيها ولاء وإخلاص تام له، لأن يهوه هو مصدر كل الحكمة، وهو المربى والمعلّم بالنسبة للشعب العبرانى. والعبرانى يثق في الله ثقة مطلقة " لتكن يا رب رحمتك علينا حسبما انتظرناك" (مز22:33). لقد كانت أفكار الإنسان غير أفكار الله، بالرغم من أن قصد الله أن يصير الإنسان متشبهًا به. وبالرغم من درس الطوفان استمر " قلب الإنسان شرير منذ حداثته" (تك21:8). لذا يترجى العبرانى الله قائلاً: "علمنى أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهى. روحك الصالح يهدينى في أرض مستوية" (مز10:143). لقد كان العبرانى مدرك بمدى ضعفه في أن يكون صادقًا في وعده " أحمدك باستقامة قلب عند تعلى أحكام عدلك. وصاياك أحفظ لا تتركنى إلى الغاية. بم يزكى الشاب طريقه بحفظه إياه حسب كلامك. بكل قلبى طلبتك. لا تُضلنى عن وصاياك" (مز7:119ـ10).

إذن يهوه هو بمثابة المعلم الحقيقى للشعب العبرانى. ومارس عمله التعليمى بطرق متنوعة: بأقوال وأعمال بواسطة الأنبياء، وبالوالدين (أم8:1، 2:4)، وبواسطة البشر الحكماء (أم14:13)، وبواسطة الكهنة (ميخا11:3، ملا7:2)، وبواسطة التجارب والآلام، لكنهم لم يسمعوا (إر4:33). فعاموس النبى يقدم لنا قائمة من أمثلة تدميرية (جدب، جفاف، وباء، تدميرات متنوعة ...) والتي أرسلت كرسائل تأديبية لكى يحذر البشر ليرجعوا إليه (عاموس6:4ـ12). أيضًا في (تث2:8ـ5): " وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك ........ ".

إن مشكلة صعوبة قبول التعليم من جانب الشعب العبرانى بسبب قساوة قلوبهم هى موجودة في كل أسفار العهد القديم. وكان رجاء الشعب أن الله ـ ذات مرة ـ سوف يفعل شيئًا بخصوص هذه المشكلة وسوف يقودهم مباشرةً نحو تحقيق سعادتهم في حياتهم (إش9:11، 2:3، إر33:31، يو45:6، عب11:8).

الخطوة الأولى للتربية لدى العبرانى هو البيت، بعد ذلك كان المدرسة والمجمع. ما يتعلمه الطفل في سنواته الأولى يستقيه من أمه. سفر الأمثال يشدد دائمًا على أهمية التعليم الدينى والتربية الأخلاقية التي يقوم بها الوالدين في البيت (أم8:1). يقضى الطفل الجزء الأكبر من يومه في اللعب وابتكار أشياء مختلفة من الفخار، وأيضًا ممارسة الغناء والرقص في الطرق والميادين مع أولاد وبنات آخرين في نفس عمره (إر11:6، 21:9). لكن عندما يكبر الولد يتسلمه الأب، والبنت أيضًا عندما تكبر تتولاها الأم. الكاهن الذي يقوم بالتربية والتوجيه يأخذ لقب "أب" أى كمثل الأب في البيت يقوم بدور تربوى (انظر قض10:17). والعلاقة بين المعلّم والتلميذ يُعبر عنها بمصطلحات أب وابن (أم1:4).

كانوا يعلمون العبرانى بأن الأرض تنتمى إلى الله، وأنه هو مجرد ساكن فيها. أيضًا أداء فلاحة الأرض تعتمد على الله (تث13:11). يحتوى سفر التثنية على نص مدهش يصف القيم ومثاليات التربية العبرية، مضيفًا تشديدًا على الطريقة التي يقوم بها الوالدين الوالدين في تربية أولادهم: " اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشى في الطريق وحين تنام وحين تقوم واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وكل أبوابك" (تث4:6ـ9).

هذه التربية ليست لها بنية معينة أو تعليم محدد. وكانت تمارس بين العائلة في البيت أثناء ساعة الأكل أو الراحة أو عندما تحين الفرصة عندما توجد مواضيع للحوار. وعادةً كانت تبدأ من الصباح وتستمر حتى وقت متأخر في المساء. أيضًا أثناء ساعة التَريُض الأمر، الذي فعله مرارًا المسيح. التربية كانت عند العبرانيين في الأساس تربية دينية. فالتربية لم تكن بالضبط اكتساب معرفة أكاديمية أو فنية أو ثقافية، بل إعداد دينى وأخلاقى. كانت تربية لطريقة حياة وإيمان معينة تلخصها كلمة واحدة هى: القداسة. كان يجب على الطفل أن يتغذى على محتوى التوراة: ألف باء، تاريخ، جغرافيا، ... كل شئ يتعلموه في إطار التوراة. فالكتاب المقدس هو مصدر المعرفة الدقيقة. وهدف التربية أن يصير الطفل خادم مخلص ليهوه. يهتم العبرانيون بأخلاقيات المعلم، فيجب أن يعرفوا أى نوع من البشر هذا المعلم، حتى يستنتجوا أى نوع من التلاميذ سوف يُنشئهم(12) .

هناك ثلاث أعياد يهودية رئيسية وهى: الفصح، والخمسين، والمظال تلعب أدوارًا مهمة في التربية العبرية، بالإضافة إلى الاجتماعات المنتظمة في المجمع، كما ذكر لوقا أن المسيح شارك في هذا (لو16:4). يطلب الناموس من الأب أن يشرح لأبنائه أهمية هذه الأعياد ومفهوم التسابيح والنواميس والعادات (خر18:13، تث9:4ـ10، تث19:31). والكهنة يستطيعون أن يكملوا مسئولية هذا التعليم في الأعياد (تث9:17).

أيضًا فرقة أخرى من معلمى إسرائيل تُدعى الحكماء كانوا يعلمون تلاميذهم ويُفترض أنهم ظهروا في القرن الثامن قبل الميلاد. كانوا مربيين للقادة، وكانوا يهتمون بالتعلم عن طريق الخبرة التي لابد أن يلاحظها التلميذ فيهم، وفي منهجهم الذي كان يتألف من المقارنات (أمثال، أقوال مأثورة، رموز، ألغاز). وكانوا بمنهجهم هذا يغطون تفصيلات الحياة اليومية. لدينا شهادات كاملة عن تعليمهم في أسفار مثل الأمثال، وحكمة سيراخ، وحكمة سليمان. وهذه الحكمة العملية كانت أساسًا دينية. الموضوع المحورى لهذه الأسفار هو مخافة الله الذي هو البداية والملء وقمة الحكمة. لقد كانت الحكمة الحقيقية هى عطية الله إلى الإنسان، ولا تُكتسب نتيجة عبقرية الإنسان. هذه الحكمة يمكن أن تمتد إلى كل الأشياء المعروفة، وفق حكمة سليمان (15:7ـ22): مثل علم النجوم، وعلم النفس، وعلم النبات... الخ. وتُمنح الموهبة إلى الأكثر نشاطًا وسعيًا كما توصف في حكمة سيراخ (2:39ـ5).

في سفر الأمثال يتم التشديد على الفضائل العملية: الانضباط، النقاوة، الصراحة، العناية بالفقراء، ومحبة الأعداء، الصداقة الحقيقية، قيمة النساء الفاضلات.

وفي إطار هذه المعتقدات فإن الرجل المثالى هو الساكن، الهادئ، المنضبط غير الغاضب (أم29:14).

بالتأكيد في هذا العصر، أى قبل المسيح كانت توجد مدارس وأماكن لتعليم الكتابة(13) .

وكان الأولاد يجلسون على الأرض حول معلمهم، ومحاولتهم كانت تكرار ما يقوله المعلم حتى يحفظوه على ظهر قلب. فالمقارنة والتكرار والعناصر الفنية الأخرى للكلام الشفوى كانت تُستخدم، لكى تحقق أهداف التعليم، وسوف نرى هذه الملامح في تعليم المسيح.

إن كل ما ذكرناه يصف ويحدد المناخ والعملية التربوية في عصر المسيح. والعمل التعليمى للمسيح كان في إطار حقيقة تربوية معينة لا يمكن لأحد أن يتجاهلها عندما يشرع في تقديم العمل التعليمى للمسيح.



القسم الثانى

تعليم المسيح التربوى

1 ـ الظروف التربوية التى علّم فيها المسيح:

الايمان 2

قانون الإيمان هو أساس عقيدة المسيحية. وكل الكنائس المسيحية هى التى تؤمن بقانون الإيمان. وإذا وجد أناس لا يؤمنون به، لا يعتبرون مسيحيين. من أمثال ذلك شهود يهوه, الأدفنتست السبتيين.
ولأهمية قانون الإيمان فى كنيستنا جعلته ضمن كل الصلوات الليتورجية. فنجده فى غالبية صلوات الأسرار الكنسية، وصلوات الأجبية واللقان.....الخ. وهذا تعبير عن أن الإيمان المسيحى هو عنصر أساسى فى حياتنا الروحية، كإيمان معاش.

تاريخ قانون الإيمان :
يرجع تاريخ وضع قانون الإيمان المسيحى إلى عام 325م فى مجمع نيقية (أسطنبول- تركيا حالياً) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير للنظر فى بدعة أريوس الهرطوقى الذى نادى مزعماً بأن السيد المسيح ليس أزلياً مع الآب. فأجتمع المجمع العظيم من 318 أسقفاً يمثلون أبرز وأعلم أساقفة العالم المسيحى، وقد حضر ممثلاً لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية (كنيسة الإسكندرية) البابا السكندرى (الـ 19)، وتلميذه الشاب الغيور الشماس أثناسيوس (الذى صار فيما بعد البابا العشرون الملقب بالبابا أثناسيوس الرسولى(299-373م).
ناقش الآباء المجتمعون فى المجمع المقدس أريوس، مبينين له التعليم اللاهوتى الصحيح الذى تسلمته الكنيسة الأولى من السيد المسيح نفسه، أنه هو الابن الوحيد الذى تجسد من العذراء مريم فى ملء الزمان، وأنه هو الواحد مع الآب فى الجوهر الإلهى، والكائن معه منذ الأزل. ونظراً لإصرار أريوس على تعاليمه الهرطوقية، فقد أصدر المجمع حرماً ضد أريوس، وصاغ المجمع الإيمان المسيحى فى قانون وهو ما يسمى بقانون الإيمان من بداية " بالحقيقة نؤمن بإله واحد...." حتى عبارة " الذى ليس لملكه انقضاء".
وبعد تلك الفترة ظهر رجل مبتدع آخر يدعى مقدونيوس، الذى أثار بدعة جديدة ضد الروح القدس، منادياً أن الروح القدس مخلوق, فانعقد المجمع المسكونى الثانى فى القسطنطينية سنه 381م، وأكمل الجزء الثانى من قانون الإيمان بداية من " نعم نؤمن بالروح القدس" حتى نهاية قانون الإيمان شارحاً الكلام عن أقنومية الروح القدس ولاهوته مع الحديث عن الكنيسة وعلاماتها وعقيدة قيامة الموتى والحياة الأخرى.
وبذلك يكون قانون الإيمان قد وضعه مجمع نقية المسكونى سنه325م وأكمله مجمع القسطنطينية المسكونى 381م، لذلك يسمى بقانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى.
حول نص قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى:
تتناول بنود قانون الإيمان العقائد المسيحية التى تؤمن بها كل الكنائس المسيحية وهو يشتمل على أحدى عشر بند:
1. الإيمان بوجود الله.
2. الإيمان بوحدانية الله.
3. لاهوت الآب وعمله.
4. ألوهية السيد المسيح الابن الكلمة.
5. التجسد والفداء والخلاص بالصليب
6. قيامة السيد المسيح وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين الآب.
7. المجئ الثانى للسيد المسيح.
8. لاهوت الروح القدس وعمله وعقيدة الانبثاق من الأب.
9. الإيمان بالكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
10. الإيمان بالمعمودية الواحدة لمغفرة الخطايا.
11. قيامة الأموات والحياة الأخرى.
وسوف نتناول بشئ من الإيجاز شرح هذه النقاط.
1- الإيمان بوجود الله:
الإيمان كما يُعبر عنه الكتاب المقدس هو " الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى"(عب11: 10) أى الثقة والقناعة القلبية مع التسليم الكامل فكراً وقلباً. لذا أول أمر نؤمن به هو وجود الله. فإذا كان الإنسان كما يقول بعض العامة الله لم يره أحد ولكنه عرفوه بالعقل، هذا من ناحية إمكانيات البشر ولكن يؤمن الإنسان بوجود الله، وهذا يظهر من خلال الخليقة نفسها.
فالإنسان المتأمل فى الطبيعة والكائنات، والسماء والأرض وما تحويه من نظم دقيقة، هذه الأمور تدل على وجود الخالق الحكيم، مهندس الكون الأعظم والفنان العظيم والدقيق فى عمله. لذا يقول معلمنا داود النبى" السموات تنطق بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه"(مز18: 1).
والقديس بولس الرسول يقول" إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية و لاهوته حتى أنهم بلا عذر"(رو1: 19-21)
ولنأخذ أمثلة توضح ذلك
1- الشمس : فهى تبعد عن الأرض بنحو 93مليون ميل، فهى بذلك تضئ الكون كله، وترسل الحرارة والدفء اللازمين لحياة الحيوان والنبات والإنسان. فتخيل أن هذه المسافة قلت أو زادت عن 93 مليون ميل لاشك أنها تجعل الكون يتجمد، أو يحرق الكون نتيجة نقصان المسافة.
2- القمر: يدور حول الأرض ويعكس علينا نور الشمس، ويبعد عن الأرض مسافة 276000 ميل، هذه المسافة الدقيقة تحفظ وضع المحيطات والبحار فى أماكنها. فإذا اقترب القمر إلينا أكثر من وضعه الحالى فماذا كان يحدث؟ سوف يجذب المياه إليه، ويحدث نتيجة هذا ما يسمى بالمد، بحيث تخرج المياه من المحيطات والبحار وتغرق الأرض كلها.
وهناك أمثال كثيرة مثل النباتات المتنوعة، وتكوين الإنسان.......الخ. حقاً كما يقول الكتاب المقدس فى سفر أيوب " اسأل البهائم فتعلمك، و طيور السماء فتخبرك، استفهم الأرض فتلقنك، وأسماك البحر تحثك، من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا " ( أيوب 12: 7 ).
يذكر القديس أوغسطينوس فى كتاب (الاعترافات) (ك10- ف6 ) أنه سأل كل من الأرض والبحر والزواحف والعاصفة والهواء والشمس والقمر والكواكب......الخ. قائلاً لها هل أنت الله، أو تعرفى أين هو؟ فيقول أجابت جميعاً بصوت واحد " هو الذى صنعنا ".
2- الإيمان بوحدانية الله:
تؤمن المسيحية منذ قرنها الأول بوحدانية الله، وترفض مبدأ "الشرك" أى تعدد الآلهة مثل الوثنيين، لذلك نجد أن آباء الكنيسة اهتموا بالدفاع عن وحدانية الله وعدم الشرك به، كما ينادى الوثنيون. وأخذ الآباء فى كتاباتهم يبرهنون بالدليل العقلى على أن تعدد الآلهة لا يقبله العقل السليم وأن الله يجب أن يكون واحداً، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. وقد وضعوا مؤلفات فى ذلك مثل ما كتبه القديس أثناسيوس فى الرسالة ضد الوثنيين وأيضاً فى كتاب تجسد الكلمة.
ونصوص الكتاب المقدس تدل على الإيمان بوحدانية الله من هذه الآيات:
+ "إعلم اليوم و ردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق و على الأرض من أسفل ليس سواه" (تث4: 39)
+ "إنى أنا هو و لا اله معي" (تث32: 39)
+ "أنا هو الأول والآخر وليس إله غيرى" (أشعياء44: 6)
+ "أنا الرب و ليس آخر ولا اله سواي" (أشعياء45: 5)
+ كما ورد فى العهد الجديد أن الله واحد فى (مت19: 17)، (مر10: 17)، (لو18: 19)، ( رو3: 30)، (1كو8: 4)، (1كو12: 6) (أف4: 6).
وفى نهاية رسم الصليب إعلان عن وحدانية الله "بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين".
وفى صلوات القداس يقول الكاهن فى أوشية السلامة "اقتننا لك يا الله مخلصنا فإننا لا نعرف إلهاً آخر سواك". فقانون الإيمان يعلن أن المسيحية تؤمن بإله واحد، ولا يشترك معه أحد فى الألوهية.
فتؤمن المسيحية أن الله واحد فى الجوهر ومثلث من حيث الأقانيم. هذا التعليم الإلهي أعلنه الله نفسه فى الكتاب المقدس، فقد أشار العهد القديم إلى الله الواحد الثالوث وتحدث عنه العهد الجديد صراحة.
فالثالوث القدوس لا يعنى تعدد الآلهة، وإنما يعنى فهم التفاصيل فى الذات الإلهية الواحدة. فالآب هو الأصل أو الينبوع أو الذات الإلهية، والابن هو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل، هو حكمة الله (1كو23: 24). والروح القدس هو روح الله أصل الحياة وباعثها فى كل الوجود. لذا نجد أن قانون الإيمان ينتقل إلى الحديث عن كل أقنوم على حده.
3- الآب ضابط الكل من حيث لاهوته وعمله:
الله الآب هو أب للابن فى الثالوث، وهو أب لكل المؤمنين به. "والآب لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو خبر" (يو1: 18). فنحن لا نرى الآب إنما نراه فى ابنه الذى تجسد وصار فى الهيئة كإنسان فى شبه الناس (فى2: 7-8) لذلك فإن كل الظهورات فى العهد القديم كانت للابن، لأنه هو الذى يعلن لنا ويخبرنا عن الآب الذى لم يره أحد قط.
كما أن أبوة الآب للابن هى أبوة من حيث الطبيعة الإلهية، أما أبوة الآب لنا نحن البشر، فهى من حيث وضعنا بعد الإيمان بالمعمودية، حيث أصبحنا أولاد الله " أما الذين قبلوه أعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه" (يو1: 12)
وعبارة ضابط الكل: أى أنه يضبط كل الكائنات، ولا يخرج شئ أو أمر عن تدبيره ورقابته. كما أن عبارة "الكل" تدل على الشمولية للسمائيين والأرضيين، سواء كانت كائنات عاقلة أم غير عاقلة أو جامدة. الكل تحت سلطانه بما فيها الملائكة والشياطين. فالشيطان ليس إلهاً للشر بل هو مخلوق تحت السيطرة لله ضابط الكل.
+ خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى....
عبارة خالق هى صفة من صفات الله وحده. كما تعنى أن هناك خلقة من العدم من اللاموجود. فالله من طبيعته أنه يخلق، أما الإنسان فأقصى شئ يصل إليه أن يكون صانعاً لا خالقاً، ويكون بالعقل الذى خلقه الله.
كما أن الآب خالق السماء والأرض، أى خالقها بما فيها من كائنات وموجودات حية مرئية وغير مرئية، الأرض والسموات.
+ كما أن الآب خالق كل شئ بالابن
وهو حكمة الله وقوة الله (1كو1: 23، 24). وبذلك يكون الله خلق كل شئ بعقله، بحكمته، بنطقه، أى بالابن. لذا يقول القديس بولس الرسول عن الابن "الذى به أيضاً عمل العالمين" (عب1: 2). ويقول الإنجيل للقديس يوحنا "كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان" (يو1: 3)
+ ألوهية السيد المسيح:
4- "نؤمن برب واحد يسوع المسيح"
بعد أن تكلم قانون الإيمان عن الأقنوم الأول "الآب" انتقل إلى الحديث عن الأقنوم الثانى"أقنوم الابن" أنه هو الرب يسوع المسيح. وكلمة رب تعنى سيد أو إله. وقد استخدمت كلمة رب فى قانون الإيمان بالمعنى الثانى "إله". والسيد المسيح انطبقت عليه كلمة (رب) فى الإنجيل المقدس بتعبير يدل على لاهوته.
والقديس كيرلس الاسكندرى يعتبر أن عبارة "رب واحد يسوع المسيح" هى مفتاح الإيمان الأرثوذكسى السليم. وهى العبارة التى جعلت القديس كيرلس يسجل أكثر من مرة أننا "نتبع الآباء"، وأننا نتمسك بالتسليم الرسولى، لأن المسيح هو الذى سلم الإيمان، وهو بنفسه كان حاضراً فى جلسات المجمع النيقاوى (شرح قانون الإيمان- فقرة4). وبذلك تبين عبارة قانون الإيمان أن يسوع المسيح هو الله الظاهر فى الجسد، لأن الجسد اتحد بشكل فائق سرى بالأقنوم الثانى دون أن يتغير أو يتحول إلى طبيعة الجسد، ولا أن امتزج أو تحول إلى خليط من الناسوت واللاهوت فى جوهر جديد.
+ ابن الله الوحيد
عبارة ابن الله الوحيد تعنى أننا رأينا الله الآب غير المنظور من خلاله. كما انه هو ابن الله لأنه فى لاهوته وطبيعته من طبيعة الله وجوهره. واستخدام السيد المسيح لكلمة "الابن" لأنه ليس فى لغة البشر ما يعبر عن العلاقة والمطابقة التامة بين الرب يسوع والله الآب غير لفظ الابن. ولهذا قال السيد المسيح "من رآني فقد رأى الآب....صدقونى أنى فى أبى وأبى فىّ" (يو14: 9-11)، وكذلك "أنا والآب واحد" (يو1: 3)
كما أن عبارة "الوحيد" أى انه ليس له نظير فى هذه البنوة، فهى بنوة متفردة فى الثالوث، عن أى بنوة أخرى فى عالم الإنسان أو الحيوان .......الخ.
+ المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق:
فالابن مولود من الآب منذ الأزل ولادة متفردة، ليس لها مثيل فى الوجود كله فليست بنوة زمنية ولا بنوة جسدية، بل هى بنوة روحية مستمرة للأبد كولادة النور من النور. فقد قيل عن الآب أنه " ملك الملوك ورب الأرباب.... ساكناً فى نور لا يدنى منه الذى لم يره أحد من الناس" (1تى6: 15-16) فالآب نور بالمعنى اللاهوتي وليس بالمعنى المادى. والابن المولود منه هو نور من نور، أى من نفس طبيعته اللاهوتية، وله نفس الصفات الإلهية.
+ إله حق من إله حق:
أى أن الابن هو إله بالحقيقة من نفس طبيعة الإله الحقيقى، وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة وليس هم آلهة بالحقيقة. فموسى النبى قال له الله" جعلتك إلهاً لفرعون" (خر7: 1)، وكلمة إله هنا لا تعنى أنه خالق أو أزلي أو قادر على كل شئ، ولكن إله بمعنى( سيد). لأن موسى إنسان وليس من طبيعة الله.
فالابن هو نفسه من طبيعة الآب ومن جوهره، فلاهوت الابن هو نفسه لاهوت الآب والروح القدس المالئ كل مكان له كل الصفات الإلهية.
+ مولود غير مخلوق:
تعنى أن الابن إذا كان قد أخذ جسداً مخلوقاً من العذراء فى ملء الزمان، إلا أن لاهوته غير مخلوق، فالابن بلاهوته مولود من الأب بولادة تفوق الإدراك والعقل، ولادة روحية. كما يولد الفكر من العقل، وكما يولد شعاع النور من الشمس. وهنا يعطى قانون الإيمان الفهم الصحيح عن ولادة المسيح من الآب ضد تعليم الأريوسيين.
+ مساو للأب فى الجوهر:
الأريوسيون يعتمدون على الآية الواردة فى( يو14: 28)"أبى أعظم منى " معتبرين أن الابن أقل من الآب فى الجوهر، وغير مساو له فى كل شئ.
لم يفهم الأريوسيين أن عبارة "أبى أعظم منى " قيلت عن حالة إخلاء الذات فى الجسد إذ أن السيد المسيح "إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلي نفسه أخذاً صورة عبد، صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب"(فى2: 6-8). وهنا صورة العبد الذى أخذها هى حالة الإخلاء، مع بقاء جوهر اللاهوت كما هو لم ينقصه تواضع الناسوت شيئاً.
+ الذى به كان كل شئ:
وهنا يريد قانون الإيمان أن يوضح أن الابن له صفة الخلق مثل الآب "كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان" (يو1: 3). وهذا يعنى أن الآب خلق كل شئ بالابن، لأنه هو عقل الله وقوته وحكمته(1كو1: 24).

5- التجسد والفداء والخلاص بالصليب:
+ " هذا الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء :
كان الهدف الأساسي للتجسد هو الفداء والخلاص للبشرية من الخطيئة الأصلية التى تلوثت بها البشرية عن طريق الوراثة من أبينا آدم أب جميع البشرية. لذلك نزل السيد الابن الكلمة من السماء وولد من العذراء مريم بجسد خاص به من الروح القدس " الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك...."(لو1: 35). وأقنوم الروح القدس عمل أمرين الأول هو تقديس مستودع العذراء مريم لكى لا يرث المولود الخطيئة الأصلية. وثانياً لكى يكون جسد المسيح الخاص بأمه العذراء القديسة مريم بدون زرع بشر. هذا الجسد الذى أخذه من القديسة مريم العذراء، واتحد به منذ اللحظة الأولى لتكوينه بل نقول أن الاتحاد كان فى لحظة التجسد نفسها. حيث اتحدت الطبيعة اللاهوتية بالطبيعة الناسوتية.
كما أن عبارة تجسد تعنى أن السيد المسيح أخذ طبيعة بشرية كاملة جسداً وروحاً إنسانية من العذراء القديسة مريم التى استحقت أن تلقب "بوالدة الإله" لا بمعنى أنها أصل اللاهوت الذى حل فيها، بل لأنها حملته فى أحشائها وولدته وهى دائمة البتولية.
+ "تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى"
عبارة تأنس أى صار انساناً كاملاً، له طبيعة ناسوتية قال عنه الرسول "يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (1تى2: 5). لأن السيد المسيح ولو لم يكن إنساناً كاملاً، فلا يكون قد شابهنا فى كل شئ، ولا يكون قد أخذ طبيعتنا المحكوم عليها بالموت.
كما أن عبارة تأنس هى ضد تعاليم الهرطقة الأبولينارية التى نادت بأن ناسوت السيد المسيح كان جسداً فقط دون روح إنسانية.
فالسيد المسيح إله كامل وإنسان كامل "صلب عنا" أى نيابة وبدلاً عن كل البشرية لكى يفديها بموته على الصليب.
فالسيد المسيح نفس بارة ماتت عن أنفس خاطئة. فهو على الصليب لم يكن خاطئاً وإنما حمل خطايا العالم كله الماضية والحاضرة والمستقبلة.
وعبارة على "عهد بيلاطس البنطى" تعنى أن الفداء بالصليب كان حدثاً فعلياً فى الزمن وكان فى زمن حكم بيلاطس البنطى.
+ "تألم وقبر وقام من بين الأموات فى اليوم الثالث كما فى الكتب":
هو اعتراف بعمل الفداء الذى قام به الرب يسوع المسيح على الصليب، حيث صلب حقاً وتألم فى الجسد، وقبر دون أن يفارق لاهوته أى من الجسد الموجود فى القبر أو الروح الإنسانية التى نزلت إلى الجحيم. وفى اليوم الثالث قام المسيح بقوة لاهوته متحد بكل من الجسد والروح منتصراً على الموت.

+ "صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب":
الصعود هنا هو صعود الجسد وليس اللاهوت، لأن اللاهوت لا يصعد ولا ينزل، فهو موجود فى كل مكان، مالئ كل مكان. فالسيد المسيح صعد إلى السماء جسدياً كما نصلى فى القداس الغريغورى "وعند صعودك إلى السموات جسدياً" وكان الصعود بالجسد القائم الروحانى الممجد الذى لا يدخل فى نطاق الجاذبية الأرضية. كما أن عبارة صعد إلى السموات تعنى سماء السموات وهى الخاصة بمجد الله (مت5: 34).
+ والجلوس عن يمين أبيه:
ورد فى مواضع عديدة من الكتاب المقدس (مز16: 19)، (عب8: 1)، (عب1: 3). كما أن عبارة جلس عن يمين أبيه، فالله ليس فيه شمال أو يمين، لأنه ليس محدوداً مثل الكائنات المخلوقة. فلا يوجد فراغ من اللاهوت حتى يجلس الابن عن اليمين.
وإنما كلمة يمين فى المصطلح الكتابى تعنى أحياناً القوة أو البر أو الكرامة، كما يقول المرنم فى المزمور "يمين الرب صنعت قوة يمين الرب رفعتنى، يمين الرب صنعت قوة، فلن أموت بل أحيا......الخ"(مز118: 15-17)
كما أن عبارة جلس "تعنى استمر فى القوة والمجد والكرامة، بعد ان كان فى حالة إخلاء للذات.
6- المجئ الثانى للسيد المسيح:
عبارة "وأيضاً يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأموات الذى ليس لملكه انقضاء" تعنى أن السيد المسيح يأتى فى مجد طبيعته الإلهية، وليس فى مجد جديد يمنح له، بل مجده الخاص به الذى كان قبل كون العالم (يو17: 5)، وهو هو المجد الذى كان محتجب، أو فى حالة إخلاء أثناء التجسد كإنسان.
كما أن المجئ الثانى هو للدينونة فى انقضاء العالم، حيث تكون القيامة العامة لجميع من فى القبور، فيخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة (يو5: 28-29)
فالسيد المسيح يأتى فى مجيئه الثانى "المخوف المملوء مجداً" للدينونة والمكافأة وعبارة "الذى ليس لملكه انقضاء" تعنى أن المسيح كما هو أزلى لا بداءة له، كذلك هو أبدى لا نهاية له (لو1: 33) (دا7: 14)
7- لاهوت الروح القدس:
بعد أن تحدث قانون الإيمان عن لاهوت الابن وتجسده وفداءه.....الخ، ينتقل للحديث عن لاهوت الروح القدس، وهو الجزء الذى قرره مجمع القسطنطينية 381م، كما ذكرنا سابقاً.
يقول قانون الإيمان "نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق فى الأنبياء"
الروح القدس هو روح الآب وروح الابن، وهو الأقنوم الثالث فى الثالوث القدوس (مر13: 11)، (لو12:12) (غلا4: 6) (1بط1: 11)، لذلك يبدأ هذا الجزء بعبارة نعم نؤمن بالروح القدس أنه هو الرب المحيى.
وعبارة الرب المحيى تعنى الإله الذى يمنح الحياة، أى أنه يخلق يقول المزمور عن المخلوقات " كلها اياك تترجى لترزقها قوتها فى حينه، تنزع أرواحها فتموت وإلى ترابها تعود. ترسل روحك فتخلق" (مز104: 27، 30).
أيضاً الروح القدس أزلى كما أن الابن أزلياً. يقول الكتاب "فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه لله" (عب9: 14). فالروح القدس هو روح المسيح الأزلي، فالأزلية هى صفة من صفات الله وحده.
عبارة المنبثق من الآب تؤكد على وحدة الجوهر فى الثالوث، وان جوهر الروح القدس هو نفس جوهر الآب والابن، مع وجود التمايز فى الأقانيم الثلاثة. ومثال ذلك قرص الشمس. فالقرص متميز عن أشعة الضوء والحرارة المنبثقة من الشمس.
وولادة الابن من الآب، وإنبثاق الروح القدس من الآب، ليس معناه أن الآب متقدم عن الابن والروح القدس، ولكن باعتبار أن الآب هو الينبوع أو قرص الشمس أو الذات الإلهية.
والمنبثق من الآب يطابق ما ورد فى (يو15: 26) حيث قال السيد المسيح "روح الحق الذى من عند الآب ينبثق"
وهناك فرق بين الانبثاق والإرسال من الناحية اللاهوتية. فالانبثاق منذ الأزل أما الإرسال فهو فى حدود الزمن. الانبثاق يكون من الآب أما الإرسال فعن طريق الابن.
وهذا بخلاف ما تعلم به الكنيسة الكاثوليكية بخصوص انبثاق الروح القدس من الآب والابن، الذى يجعل هناك أصلان فى الثالوث وبالتالى يدعو إلى تعدد الآلهة.
وعبارة "نسجد له ونمجده" فى قانون الإيمان لئلا يظن البعض أن الروح القدس أقل من الآب والابن. لذلك فعبارة نمجده، تعنى أنه له نفس المجد الذى للآب والابن وتعنى المساواة بين الأقانيم الثلاثة.
وعبارة "الناطق فى الأنبياء تعنى الوحى الإلهى، أى أن الروح القدس هو الذى يلهم الأنبياء ويوحى إليهم. حتى كتبوا أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.
9- الإيمان بالكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية:
والكنيسة هى مبنى الكنيسة- وجماعة المؤمنين ورجال الكهنوت (الرئاسة الكنسية) (مت18: 18), فالكنيسة واحدة فى الإيمان والعقيدة والفكر والتعليم، بل أيضاً واحدة فى الروحانية. فالسيد المسيح يريد كنيسة واحدة على مثال وحدة الأقانيم فى الثالوث.
فالكنيسة الواحدة تشمل كل أعضاء الجسد الواحد (المؤمنون) على الأرض وفى السماء، كما تشمل الملائكة أيضاً (أف2: 19).
والكنيسة مقدسة لأن المسيح سلم نفسه للصليب "لكى يقدسها بدمه، ولكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن...." (أف5: 25- 27).
كما أن الكنيسة جامعة تحوى من كل جنس ولون ولسان، ورسالتها فى كل العالم إلا أن لها الأجماع العام على الإيمان المسيحى الأرثوذكسى.
كذلك كنيسة رسولية لأنها "مبنية على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية" (أف2: 20).
لذلك من يدعى الكهنوت لنفسه دون وضع يد عليه من رؤساء شرعيين رسوليين متصلين بسلسلة الخلافة الرسولية. فإنه لا يمكن الاعتراف بدرجته الكهنوتية كما أوصى مجمع نيقية فى قراراته بإعادة معمودية من تعمدوا بيد الهراطقة.

10- الإيمان بالمعمودية الواحدة لمغفرة الخطايا:
المعمودية لها أهميتها وضروريتها للخلاص، الإنسان حسبما قال السيد المسيح لنقوديموس فى (يو3)، وقوله أيضاً فى (مر16: 16) "من آمن واعتمد خلص".
وفى المعمودية ننال استحقاقات دم المسيح للمغفرة، فتغفر لنا جميع الخطايا السابقة للمعمودية، سواء الخطية الأصلية الجدية، أو الخطايا الفعلية السابقة للمعمودية فالمعمودية واحدة لأن ما دامت الخطيئة الأصلية قد غفرت، فلا داعى لتكرار المعمودية إذن. أما الخطايا الفعلية التى ترتكب بعد المعمودية، فتغفر بواسطة سر التوبة والاعتراف.
والمعمودية تكون واحدة بين جميع الكنائس المسيحية التى لها الإيمان الواحد الأرثوذكسى. لذلك تقبل الكنيسة القبطية معمودية الكنائس التى معنا فى الإيمان الواحد السليم.
كما يجب أن يقوم بالمعمودية رجال الكهنوت معترف بهم، وليسوا تحت الحكم، كما أقر ذلك مجمع قرطاجنة سنه 276م برئاسة القديس كبريانوس.
كما يجب أن تكون المعمودية على أسم الثالوث، وثلاثة غطسات باسم الأب والابن والروح القدس"(مت28: 19).
11- الإيمان بقيامة الأموات وحياة الدهر الآتى:
الإيمان بقيامة الأموات الأبرار والأشرار، حسبما ورد فى كلمات السيد المسيح " تأتى ساعة يسمع فيها جميع الذين فى القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة"( يو 5: 28-29) والسيد المسيح كان باكورة لقيامتنا جميعاً(1كو15: 20-23). فالقيامة هى بأجساد ممجدة روحانية سماوية غير مادية.
والقيامة العامة يعقبها الدينونة ويكون هذا فى المجئ الثانى للرب يسوع لذلك قيل عن السيد المسيح " إن ابن الإنسان سوف ياتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله( مت16: 27)، (مت25: 31-33).
وفى أثناء القيامة العامة ومجئ المسيح الثانى يكون اختطاف للأحباء الذين على الأرض وتتغير أجسامهم كقول الكتاب " الرب نفسه بهتاف، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله، سوف ينزل من السماء. والأموات فى المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء. وهكذا نكون فى كل حين مع الرب" (1تس4: 16-17). وبذلك تكون أحداث اليوم الأخير كالآتي:
1- مجئ المسيح الثانى مع ملائكته وربوات قديسيه.
2- قيامة الأموات الأبرار والأشرار.
3- اختطاف القديسين على السحاب وتغيير طبيعة أجسادهم إلى جسد القيامة.
4- الدينونة العامة حيث يظهر جميع البشر أمام كرسى المسيح، لينال كل واحد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً (2كو10: 5).
وبذلك تنتهى الحياة الحاضرة فى هذا العالم المادى، لتبدأ حياة الدهر الآتى. هكذا يأخذ قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى فى إعلان عن الإيمان المسيحى الأرثوذكسى النقى بداية من الإيمان بوجود الله، حتى الدينونة العامة والحياة فى الدهر الآتى.

الرهبنة

هل الرهبنة رغبة أم دعوة؟" قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ!» فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ  مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ». حِينَئِذٍ قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْلاَدٌ لِكَيْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَيُصَلِّيَ فَانْتَهَرَهُمُ التَّلاَمِيذُ. أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ». (مت 19 :10 )
كلمة الدعوة تخص الخدمة والرعاية، لأن الرعاية إقامة للاهتمام بنفوس أخرى يملكها الله. والراعي هو الذي يدخل من باب الدعوة الإلهية فيرعى أولاد الله ويخدمهم، مثل هذا محتاج إلى دعوة، بل لا يمكن أن يقام دون أن تتحقق الدعوة. أما الرهبنة فعلى من يقام الراهب إلا على خلاص نفسه؟ وهل في السعي نحو خلاص النفس وطلب الكمال يتطلب الإنسان دعوة؟

إن الإنسان المسيحي مدعو بموت المسيح الكفاري إلى التجرد والموت عن العالم وإماتة الذات وترك الكل للالتصاق بالرب والتأمل في وصايه. كل مسيحي مدعو لذلك "ما أقوله لكم أقوله للجميع". فالدعوة للرهبنة هي اقتناع قلبي كامل بتفاهة العالم والزهد في كل قنيته ورغبة حقيقية للحياة المسيحية الصادقة. ومن يرغب في هذا ويشتاق إليه قد يمكنه الرهبنة بسرعة، قد لا يمكنة هذا إلا بالتدرج. فالأول قد تكون ظروفه في العمل أو العائلة تساعده أو تخدمه، والثاني قد يجد عوائق فيعيش مبادئ الرهبنة في قلبه وسلوكه ويصلي لأجل هذه العواق حتى تذلل فلا يبقى له سوى أن يلبس الشكل الرهباني في الدير.
لاشك أن الرهبنة رغبة واختيار للإنسان، وليس معنى ذلك أنها ليست دعوة. فإننا نرى كثيرين يرغبون وقليلين يدعون، كثيرين يشتاقون وقليلين يقدرون. لذا فتنمية الرغبة والاشتياق ينبغي أن تتحرر من الذات التي تعاند وتلح وتصر وتدق الرأس على الحائط بينما يكون للرب دعوة أخرى في حياتي. الإنسان الروحي الأمين لعريسه والمتطلع لأبديته ينمي كل شوق صالح فيه. فإن وجد الدعوة أمامه والباب مفتوح قدامه يكون مبارك له الرهبنة. مبارك له هذا العطاء الإلهي الذي نسمع له في الإنجيل "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذي أعطي لهم.... من استطاع أن يقبل فليقبل" مت 19: 10 – 12
يا عزيزي: هل اشتقت للرهبنة؟ مبارك، فهذا كمال الرضى القلبي. هل جاهدت؟ هل أخذت موافقة الله في الاعتراف؟ ثم وجدت مرشد يقبلك ودير يفتح لك؟ وتستريح أن للسكنى بين رهبانه؟ مبارك، فهذا كمال الدعوة الإلهية.
فإن اشتقت وجاهدت ودعيت اسلك بسرعة ومبكرا. خسارة أن تضيع يوما واحدا بعيدا عن الرهبنة. أما إن اشتقت وجاهدت ولم تجد الدعوة، فبلا عناد ولا تردد لا تلح في الرهبنة فربما خلاصك في طريق البتولية والخدمة.
وإن لم تمكل أشواقك بالرهبنة فكن صديقا للرهبنة والرهبان. ابحث عن احتياجاتهم واشترك في تدبيرها وتوفيرها. اسندهم بالصلاة واطلب سند صلواتهم في زيارات روحية لا زيارات ترفيهية لإجهادهم بل للخلوة والتعلم من الرهبنة والرهبان. شجع الآخرين على الرهبنة ولا تكن معوقا لإنسان يسلك هذا الطريق، بل ساعد كل من ترى فيه الاشتياق والدعوة متوفران لكي يهرب من العالم.

المسيح هوامس واليوم والي البد للانبا مكسيموس

عندما سُؤل السيد المسيح " لماذا أوصي موسي أن يُعطي كتاب طلاق فتطلق "(مت 19 ) أجابهم " من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم  موسي أن تطلقوا نساءكم . ( مت 19 : 8 ) بمعني أن الله لم يتغير عندما منع السيد المسيح الطلاق ... ولكنه أعلمنا أن السبب هو قساوة قلب الإنسان ... بينما في العهد الجديد تم تجديد طبيعة الإنسان .

إن لم تختلف وصايا العهد الجديد ، إذاً ما هو التغير وما هو الخلاص وما هي فائدة المعمودية ؟  والكتاب يقول " لأن كلكم الذين أعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح " ( غل 3 : 27 ) ويقول أيضاً " إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" ( 2كو 5 : 17 ) وما دامت خليقة جديدة إذاً تحتاج  لوصايا جديدة .
   إذاً الله لم يتغير ، ولكن من الممكن قبل إتمام الفداء ، وقبل أن تصير أولاد الله بالمعمودية ، هل كان من الممكن أن نعطي وصية " أحبوا أعداءكم " (مت 5 : 44) عملياً هذا مستحيل لأن " المولود من الجسد جسد هو ، و المولود من الروح هوروح " (يو 3 : 6) وقال المسيح لنيقوديموس " إن كان أحد لا يولد من الماء و الروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله (يو 3 : 5 ) إذاً المولود من فوق ، المولود من الروح يحتاج وصايا جديدة غير العتيقة  لأن بالفداء ينال الإنسان المؤمن بالمسيح الولادة الجديدة بواسطة الماء و الروح وبذلك يكون مؤهلاً بالنعمة وبالطبيعة لوصايا العهد الجديد

- الإنسان في العهد القديم : لم يكن ممكناً أن يطالب الله الإنسان في العهد القديم بمحبة الأعداء ، ولكنه أعطاه وصية تناسبه " تحب قربيك وتبغض عدوك " (مت 5 : 43 ). وفي العهد القديم لم يمنع الله مطلقاً موضوع تعدد الزوجات ولكنه وضع ضوابط ، فقال " لا تشته إمرأة قربيك " (خر2 :17) .. كذلك بسبب عدم إمكانية حياة البتولية .. مثلما حدث في العهد الجديد بمعرفة النعمة التي سكنت في الإنسان .. مثلما قال الرب يسوع " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات .... من إستطاع أن يقبل فليقبل" (مت 19 : 12) وأصبح في العهد الجديد هناك إمكانية البتولية ... في العهد القديم من الصعب أن يعطيهم الله وصية البتولية ، ولكن من الممكن أن يطالبهم بعدم الزنا " لا تزن "     (خر 20 : 14) وعدم إشتهاء إمرأة قريب ... ولكن في العهد الجديد ، وبسبب النعمة الساكنه في الإنسان ، حتي لو إستحالت الحياة بين زوجين بسبب الخلافات و إضطرا للإبتعاد عن بعضهما ، فليجاهد كا منهما ليعيش البتولية ويحفظ نفسه طاهراً .
- إذاً طريق الطهارة والملكوت بلا زواج ثاني هو أحد الحلول لمواجهة المشاكل الزوجية الصعبة .
   طبيعة جديدة لإنسان العهد الجديد :-
- قال السيد المسيح " لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً "(مت 5 : 39) .. فالصليب هو علامة الفداء وليس علامة العداء .. لذلك فالإنسان الجديد مدعو للسلام " طوبى لصانعي السلام ".
 - الله في العهد القديم كان يساند شعبه في الحروب طالما هم يحافظون على وصاياه ، وكان يتركهم لتأديب الشعوب لو بعدوا عنه .. أما في في العهد الجديد فهو المدافع عنا .. وأعطانا كلمته التي هي " أمضى من كل سيف ذي حدين " وقال لنا " ها أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب . كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام " (مت 10 : 16) إذاً هو يطلب منا حكمة وليس حرباً ولا عنفاً .

- إذاً الله لم يتغير ، فهو يكره الخطية ولكنه لا يلزم الإنسان بوصايا الكمال قبل أن يعطيه النعمة والولادة الجديدة وسكنى الروح القدس ... إذاً لو كانت وصايا العهد القديم هي نفسها وصايا العهد الجديد ، إذاً ما قيمة تجسد الله والفداء والنعمة ...؟!


  هل الله لإسرائيل فقط أم لجميع الأمم ؟
- وهذا سؤال آخر لمن يعتقدون أن الله تغير . ليس فقط في وصاياه ، ولكن أيضاً في مفهومه الرعوي !! هل كان الله لإسرائيل فقط في العهد القديم ، ثم صار لكل الأرض في العهد الجديد ؟

- نقول لهم أن الله هو " ملك الأرض كلها " .. في العهد القديم هو ملك الأرض كلها ، لكنه خص شعب إسرائيل برعاية خاصة ليحفظوا خميرة الإيمان لشعوب الأرض .. الإيمان والوصية والشرائع إلى أن يأتي الله المتجسد من نسلهم ولكن هذا لا يعني أن الله لإسرائيل فقط .. ففي العهد القديم كان الله يتعامل مع الأمم ويقبلهم إذا آمنوا بمعنى إختيار الله ليس حسب العرق أو الدم ولكنه حسب الإيمان .. ونجد أن إبراهيم نفسه أب الآباء أخذ البركة من ملكي صادق ملك ساليم (تك 14) وهو ليس من نسل إبراهيم ولا من إسرائيل .
وإذا تأملنا مز 46( آخر مزامير الساعة الثالثة ) " لأن الرب عال ومرهوب . ملك كبير على كافة الأرض " ثم يكمل ويقول " رتلوا لإلهنا رتلوا . رتلوا لملكنا ، لأن الرب هو ملك الأرض كلها " (مز 46 : 2 ، 6 ، 7).
- إذا الله هو ملك الأرض كلها .. متى تم هذا ؟ تم على الصليب ، لذلك نقول في قطع الساعة السادسة " صنعت خلاصاً في وسط الأرض كلها ... فلهذا كل الأمم تصرخ قائلة : المجد لك يا رب ".
- يقول داود في نفس المزمور" رتلوا بفهم فإن الرب ملك على جميع الأمم ، الله جلس على كرسيه المقدس"(مز7:46،8)      هنا يتكلم عن الله الإبن المتجسد ، لأن هذا المزمور يتكلم عن الصعود " صعد الله بتهليل ، والرب بصوت البوق "

- إذاً هذا المزمور لا يُفهم إلا على الله المتجسد الذي صعد جسدياً .. لأن اللاهوت لا يصعد ... وينتهي المزمور بـ    " رؤساء الشعوب اجتمعوا مع إله إبراهيم " ( مز 46 : 9 ) ... إذاً الله هو ملك الأرض كلها من البداية ولكن فهمهم كان ضيقاً ومحدوداً والدليل أنهم فشلوا في فهم هذه الآيات ... فالله لكل الأمم ولكل الشعوب وليس لإسرائيل فقط .
السيد المسيح جاء ليصلح فكرهم القاصر هذا ، ففي تعامله مع قائد المئة قال " لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا " (مت8 : 10) وقال أيضاً " لي خراف أخر  ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً ، فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة لراعٍ واحد " (يو 10 : 16) .. هنا يتكلم عن كنيسة الأمم أنها من رعيته .

   أهل نينوى :- لم يكونوا من شعب إسرائيل ، ومع ذلك غفر الله لهم خطاياهم حينما تابوا .. وكذلك ركاب السفينة لم يكونوا من شعب إسرائيل ومع ذلك قبل الله ذبائحهم .

   يونان نفسه – بفكره اليهودي – حينما أمره الله أن ينادي على أهل نينوى بالتوبة ، هرب إلى ترشيش ، لأنه كان لا يريد أن الله يتعامل أو يصطلح مع الأمم .. ولكن الله أعطاه دروساً ( بالحوت وباليقطينة ) لأن الله هنا يصلح فكر يونان الضيق الذي يحاول أن يحصر الله في إسرائيل فقط .. وأنهى الله السفر بعد أن أشفق على نينوى وأسماها العظيمة ، ورحم شعبها .. لأنه ملك الأرض كلها .

   أيضاً ملكي صادق لم يكن من نسل إبراهيم ، ولكنه بارك إبراهيم ، وكان ملك ساليم ( أورشليم ) ، أي ملك السلام ورمز للسيد المسيح ، وكان كاهن الله العلي ، وقدم تقدمة من الخبز والخمر ( إشارة لذبيحة المسيح ) وإبراهيم قدم له العشور ، وهو بارك إبراهيم .. (تك 14) كل هذه دلائل تشير إلى أن الله له رعية خارج إطار إبراهيم ، ولكن اليهود فهموا محبة ربنا لهم أنه لهم وحدهم ، وهذا خطأ .

   المجوس :- أتوا من بلاد فارس وسجدوا للمسيح وقدموا هدايا ، لم يكونوا من نسل إبراهيم .. ولكن الله قبلهم وقبل إيمانهم وقبل هداياهم ... الله كلمهم بالطريقة التي يفهموها – وهي النجوم والفلك – لأنه هو ملك الأرض كلها ، وله رعية ليست من حظيرة إسرائيل ... حظيرته تشمل العالم كله .

   المرأة الكنعانية :- كانت أممية وكانت تصرخ " ارحمني يا سيد يا ابن داود ، ابنتي مجنونة جداً " ( مت 15 : 22 ) وتضايق منها التلاميذ ، لأنهم يهود ويستكثرون على هذه الأممية أن تتكلم مع الرب يسوع .. ولكن السيد المسيح تدرج معها ... حتى قال لها " يا إمرأة عظيم إيمانك . ليكن لكي كما تريدين ، فشُفيت ابنتها من تلك الساعة "    ( مت 15 : 27 ، 28 ) .. لقد مدح الله إيمانها لأنه اقترن بالإنسحاق ، بينما إيمان اليهود مقترن بالتعالي ، وأنهم أحسن من غيرهم ..
+ وأيضاً معمودية كرنيليوس الأممي ، والتي بسببها خاصم البعض القديس بطرس إلى أن شرح لهم الأمر والرؤيا  وأخيراً اقتنعوا وقالوا " إذ أعطى الله الأمم أيضاً التوبة للحياة " ( أع 11 : 18 ) وبدأوا يقبلون فكرة الأمم ويتنازلون عن الإنحصار في دائرة شعب الله المختار .

   الهجوم على العهد القديم :-
- بدأ في ألمانيا ، بسبب العداء المستحكم بين الجنس الآري ( الألماني ) والسامية ... وتدرج الهجوم ، من هجوم على اليهود وعلى مسلكهم وسلبياتهم ، إلى الهجوم على العهد القديم أهم مقدساتهم .وحدث هجوم أيضاً هنا في مصر .. كتاب وصف في مقدمة شريعة العهد القديم { إذا كانت شريعة العهد القديم هي شريعة الغاب ، فهل يمكن أن تكون وحياً إلهياً ؟! } والكتاب يستنفر فينا الروح الوطنية ويقول {كيف نوافق على فكرة إبادة الله لفرعون ومركباته ... لابد أن نكون وطنيين منتمين لمصر !! }.

+ طبعاً هذا الهجوم هو نوع من خلط الأمور ، ومحاولة إدخال القومية في الدين لأسباب سياسية .. فرعون أيامها وجيشه كانوا وثنيين ، وكان يمنع شعب إسرائيل من عبادة الله ، إذ صرخ الشعب لفرعون ليطلقهم إلى البرية ليعبدوا الله .... نحن نحب مصر ونعتز بمصر التي باركها الرب يسوع بقدومه إليها ، وباركها في العهد القديم حينما قال " مبارك شعبي مصر" ( إش 19 : 25 ) .
+ نحن ضد التعصب اليهودي الذي يحاول حصر الله في شعب واحد فقط وكل البركات وكل الوعود التي قيلت لإسرائيل هي ميراث المؤمنين بالمسيح"جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله"حينما رفضوا المسيح رُفضوا وسقطوا وخسروا كل المواعيد ،وصارت المواعيد ملكاً للكنيسة ،إسرائيل الجديد لأنها أساساً الوعود روحية أبدية سمائية فيقول الرب في سفر الرؤيا " ها أنا أصنع كل شئ جديداً وقال لي أكتب فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة " (رؤ21: 5)


   العقوبات :- يقول أصحاب نظرية إله العهد القديم وإله العهد الجديد ، أن إله العهد الجديد إله حنون ، وإله العهد القديم إله قاسي!!. نحن نرفض هذه الفكرة ، فالله هو واحد وطبيعته لا تتغير" هو هو أمس واليوم وإلى الأبد "فكما هناك عقوبات في العهد القديم،نجد عقوبات أيضاً في العهد الجديد.. يكفينا قصة"حنانيا وسفيرة"(أع 5 : 1 – 12 ) ويقول القديس بولس" من خالف ناموس موسى ، فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة . فكم عقاباً أشر تظنون أن يُحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدس به دنساً وأزدرى بروح النعمة "(عب 10 : 28 ، 29) . كما أنه في العهد القديم نجد الله الحنون على شعب نينوى .. والله الحنون مع راحاب الزانية .

+ الذي تغير ليس هو الله ، انما طبيعة الإنسان ونضجه ( مثل أب يعلم ابنه ، وهو طفل يعلمه بطريقة وهو كبير يعلمه بطريقة ، ... يعاقبه بطريقة ... ولكن هو هو الأب ، وهو هو الابن ... ولكن الفرق في النضج وفي السن )

   مثل الحنطة والزوان :- في هذا المثل عندما طلبوا من السيد أن يسمح لهم بقلع الزوان " قال لا .. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه . دعوهما ينميان معاً إلى الحصاد . وفي وقت الحصاد أقول للحصادين اجمعوا أولاً الزوان وأحزموه حزماً ليُحرق ... أما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني " (مت13 : 29 ،30) هذه هي طريقة الله في العهد الجديد  ان يعطي فرصة للإنسان الناضج الذي بداخله الروح القدس ليبكته . يعطيه فرصه للتوبة . بينما في العهد القديم لم يكن في داخله الروح القدس ليبكته .. وكان يتمادى أكثر وأكثر في خطيته ولذلك كان من المناسب أن يكون العقاب أسرع .

   إله العهدين إله واحد :- إله العهد القديم هو إله العهد الجديد " هو هو أمس واليوم وإلى الأبد " لكن الإنسان هو الذي تغير وظروفه وطبيعته تغيرت ولكن الله في كل زمان وفي كل مكان يكره الخطية وهو " نار آكله "(عب29:12) ويحذرنا القديس بطرس"وإن كنتم تدعون أباً الذي يحكم بغير محاباه حسب عمل كل واحد فسيروا زمان غربتكم بخوفٍ"(1بط 1 :17).

    السيد المسيح يشهد للعهد القديم :-
- فقال عن داود " قال داود بالروح : قال الرب لربي أجلس عن يميني " ( مت 22 : 44 ) وقال عن موسى " لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب  عني " ( يو 5 : 46 ) وقال " لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير " ( لو 24 : 44 ) قال هذا في كلامه وفي شرحه للعهد القديم لتلميذي عمواس . وقال " ما جئت لأنقض بل لأكمل " ( مت 5 : 17 ) وقال أيضاً " إلى أن تزول السماء والأرض ، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل " ( مت 5 : 18 ).